عفيف الدين التلمساني

37

شرح مواقف النفري

مادة واحدة ، إلا أنها قريبة المرتبة من الجسمانية ، فإن شاء حلل بعد ذلك هذه الهيولى بعد أن يعلم أن صور الأجسام كلها قد انحلت إليها وعاد منها ما عاد إلى العدم فيجدها تنحل إلى ما يسميه الفلاسفة « النفس الكلية » ويسميها بعض هذه الطائفة وهم المقصرون منهم أنها اللوح المحفوظ فتبعد المادة الوحدانية عن قربها من تقدير قبول الجرمانية والكثافة ، ثم إن شاء حلل تلك أيضا إلى بسيط هو أول لها وهو « العقل الأول » في اصطلاح الفلاسفة ، و « القلم الأعلى » في اصطلاح قوم من طائفتنا ، ثم إن شاء حلل ذلك من حيث تركب فيضمحل رسم الخلق بأسره ويتعين الحق ، وأهل اللّه تعالى يشهدون الأمر كذلك قبل التحليل ، ولو شاء أحد أن ينحدر بالتركيب من الغيب المطلق ، لوجد نورا واحدا كان له اسم قبل مرتبة العقل الأول ، ثم سمي عقلا ، ثم نفسا ، ثم هيولى ثم ثم ثم ثم ينعطف إلى طور الإنسان فيقوم فيه الهيولى والجسم والنفس والعقل ، كل ذلك في النشأة الإنسانية ، فهي نسخة كاملة في مقابلة نسخة كاملة ، فاستحقت الخلافة بعود الفرع إلى أصله في الشهود ، ووحدانية الوجود ، ولذلك أمرت الملائكة له بالسجود ، والمراد في شرحه التنزل أن الأنوار وهي الموجودات من نور ظهوره بادية ، ولذلك سميت عند أهل هذا الشأن مظاهر ، وهي إلى نور ظهوره آفلة » ، ونور ظهوره الذي إليه آفلة هو « العقل الأول » . وقد عرفت كيفية أفولها ، وهو ما ذكر من التحليل ، وكيف تبدو ، وهو ما ذكره من التركيب . قوله : ( والظلم من فوت مرامي بادية ، وإلى فوت مرامي آيبة ) . قلت : الظلم هي التعينات العدمية ، والنسب والإضافات ، وكل ما يقيده الذهن اعتبارا ولا وجود له في الخارج فإنها ظلم ، ولذلك لا يتحقق إلا باعتبارات الموجودات ، والسلوب كلها التي تذكر في القضايا المنطقية كلها من الظلم لأن الوجود هو النور ومقابله هو الظلمة ، ولما كان الوجود لا تظهر إلا جزئياته كان العدم لا يظهر إلا باعتبارات تقابل تلك الموجودات وهي أيضا جزئية ، ولما كان حظ الموجود المحقق أن يكون في الخارج كان ما هو من الظلم فيما يقابل الخارج وهو الداخل ونعني به الذهن . فإن قلت إن الذهنيات موجودات ذهنية ، وإن قلت إن هذه إعدام فكيف تفرضها في الذهن ، وذلك يقتضي لها الوجود وإن كان ذهنيّا . الجواب إنها في الذهن سلوب ، وتصور السلوب هو وجودي والسلب نفسه عدمي